مجد الدين ابن الأثير

99

المختار من مناقب الأخيار

وقال قيس بن الرّبيع : كان أبو حنيفة يبعث بالبضائع إلى بغداد ، فيشتري بها الأمتعة ، ويحملها إلى الكوفة ، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة ، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدّثين وأقواتهم ، وكسوتهم ، ثم يدفع باقي الدّنانير من الأرباح إليهم ، فيقول : أنفقوا في حوائجكم ، ولا تحمدوا إلّا اللّه ، فإنّي ما أعطيتكم من مالي شيئا ، ولكن من فضل اللّه عليّ فيكم ، وهذه أرباح بضائعكم ، فإنّه - واللّه - ممّا يجريه اللّه لكم على يدي ، فما في رزق اللّه حول لغيره « 1 » . وقال حفص بن حمزة : كان أبو حنيفة ربّما مرّ به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة ، فإذا قام سأل عنه ، فإن كانت به فاقة وصله ، وإن مرض عاده . وكان أكرم « 2 » الناس مجالسة « 3 » . وقال أبو يوسف : كان أبو حنيفة لا يكاد يسأل حاجة إلّا قضاها . فجاءه رجل فقال له : إنّ لفلان عليّ خمس مائة درهم ، وأنا مضيق ، فسله يصبر عليّ ، ويؤخّرني بها . فكلّم أبو حنيفة صاحب المال ، فقال صاحب المال : هي له ، قد أبرأته منها . فقال الذي عليه الحقّ : لا حاجة لي فيها . فقال أبو حنيفة : ليس الحاجة لك ، وإنّما الحاجة لي قضيت « 4 » . وقال جعفر بن عون : أتت امرأة أبا حنيفة ، تطلب منه ثوب خزّ ، فأخرج لها ثوبا ، فقالت له : إنّي امرأة ضعيفة ، وإنّها أمانة ، فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك . فقال : خذيه بأربعة دراهم . ( * فقالت : لا تسخر بي ، وأنا عجوز كبيرة . فقال : إنّي اشتريت ثوبين ، فبعت أحدهما برأس المال إلّا أربعة دراهم * ) « 5 » فبقي هذا الثوب يقوم عليّ بأربعة دراهم « 4 » .

--> ( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 360 . ( 2 ) في ( أ ) : « أكثر » . ( 3 ) تاريخ بغداد 13 / 360 ، 361 . ( 4 ) تاريخ بغداد 13 / 361 . ( 5 ) ( * - * ) ما بينهما ليس في ( أ ) .